علي بن زيد البيهقي
99
تاريخ بيهق
والإخبار والاستخبار من غرائز بني الإنسان ، ألا ترون الناس لا يقرّ لهم قرار عند وقوع حادث ما ، حتى يسمعوا ويسمعوا أخباره - حتى لو لم يكن يعنيهم - ويشغلوا به أنفاسهم المعدودة ، وحواسهم المحدودة ، ويستبينوا مختلفات أنواع الأخبار ، ومؤتلفات أجناس الآثار ؛ فإذا بلغ خبر إلى مسامع أحد من الناس ، كان كتمانه عسيرا عليه ، ومن هنا كان الكتمان عادة وخلقا محمودا ، ونادرا ما يقوى عليه أحد ، لأن ذلك خلاف الغريزة الإنسانية ، ولأن الحق تعالى خلق الإنسان محبا للإخبار والاستخبار ، اللذين لا يصونان خزانة حفظ الأسرار عن الظهور ، وشمس ودائع أسرار الأصدقاء عن كسوف الصروف ، وتحصيصها بالانجلاء . وعلى ذلك ، فإن معرفة تواريخ وأخبار العالم تستلزم هذا الحب - حب الاستخبار والإخبار - الذي لو لم يكن مركبا في غرائز الآدميين ، لما وصل للمتأخرين شيء من سنن وفضائل وأخبار وحكايات المتقدمين ، ولبلغ خلل أحوال العالمين حدا لا يمكن تداركه ، وسد طريق الراحة والدعة بالاقتداء بالماضين ، وتلاشى بالفكر والحيرة قوام الأشباح ونظام الأرواح ، ولما ظهرت آثار ثناء الأسلاف ، على شعار ودثار الأرواح ؛ ولانطمست أسرار البدائع والصنائع ، بأستار الفجائع والفظائع . [ 10 ] وأقسم المجد حقا لا يحالفهم * حتى يحالف بطن الراحة الشّعر « 1 » وعلى ما في معرفة التاريخ من فائدة عظيمة فإنه سهل التناول ، ليس في الاستفادة منه كلفة أو مشقة لأن المعول في سائر العلوم إنما يقع على الحفظ والفهم ، وهو في هذا العلم - التاريخ - يقع على الحفظ مطلقا ؛ لأن ذلك الذي تعلمه يجعله قريبا من الوقائع والحوادث الواقعة ، فيحصل له التذكر والاستعادة ، ولميل النفس لذلك ، فإن حفظ هذا العلم أسهل ، والتجربة تشهد على ذلك ، حيث يحفظ الناس من التواريخ
--> ( 1 ) من قصيدة للأخطل في هجاء قبائل قيس عيلان ( شرح شافية ابن الحاجب ، 4 / 493 ) .